الشيخ الجواهري
13
جواهر الكلام
ولا إشكال في ترتب الحكم على لفظ المكره بحق بعد أن جعله الشارع من الأسباب ، من غير فرق بين العقود والايقاعات وغيرها ، كالاسلام الحاصل من التلفظ بالشهادتين ولو إكراها ، لكن في المسالك " لا يخلو ذلك من غموض من جهة المعنى وإن كان الحكم به ثابتا من فعل النبي صلى الله عليه وآله فما بعده ، لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عما في الضمير منزلة الإقرار ، والظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنه كاذب ، لكن لعل الحكمة فيه أنه مع الانقياد ظاهرا وصحبة المسلمين والاطلاع على دينهم يوجب له التصديق القلبي تدريجا فيكون الاقرار اللساني سببا في التصديق القلبي " قلت : قد يقال إن ظاهر الأدلة الحكم باسلام قائلهما ما لم يعلم كذبه ، فالمنافق المعلوم حاله لا إشكال في كفره ، نعم لا عبرة بالظاهر المزبور ، إذ يمكن مقارنة الاسلام واقعا للاكراه الظاهري ، بل يمكن صيرورته داعيا له في الواقع ، وحينئذ فلا غموض ، ودعوى تنزيلهما منزلة الاقرار بالنسبة إلى ذلك ممنوعة ، نعم هي سبب شرعي في الحكم بالاسلام وحقن المال والدم ما لم يعلم مخالفة باطن قائلها . ثم لا يخفى عليك أن لفظ المكره كغيره من الألفاظ يراد به المحمول على المكروه له واقعا ، ولكن اكتفي في تحققه بظاهر الحال المستفاد من تعقب الفعل للتهديد ، فلو فرض حصول ما يرفع الظهور المزبور منه حكم بصحة الطلاق ، للعمومات بناء على أن الكراهة مانع ولم يتحقق ، أو حصول ما يظهر منه الاختيار بناء على أنه الشرط ، ويكفي في الحكم بتحققه ظهوره ، وعلى كل حال فقد ذكروا أن من ذلك ما إذا خالف المكره وأتى بغير ما حمله عليه ، فإن مخالفته له تشعر بالاختيار أو ترفع ظهور الكراهة ، وله صور : منها أن يكرهه على طلقة واحدة فيطلق ثلاثا ، فإنه يشعر برغبته واتساع صدره له حتى الأولى ، فيقع الجميع ، مع احتمال وقوع الأخيرتين دون الأولى التي لا معارض لمقتضى الاكراه فيها ، ولو أوقع الثلاث بصيغة واحدة وكان ممن يعتقد وقوع الواحدة بها فهو كمن أوقعها واحدة ، وإن كان ممن يعتقد وقوعها ثلاثا